
الطهارة في أماكن العمل اليوم ليست قيمة ولا حتى كذبة… هي أداة. أداة يجيد استخدامها أولئك الذين يتقنون حمل الوجوه المصقولة بينما يمرّرون أسوأ القرارات تحت الطاولة.
القادة تحديدًا صاروا محترفي تمثيل؛ يجلس أحدهم في مقدمة القاعة متظاهرًا بأنه الضمير الحي للمنظمة، بينما في الحقيقة هو أول من يتخلّى عن أي معنى للنقاء إن لامست الحقيقة مصالحه. يظهر بهدوء الحكيم ويتصرف بدهاء التاجر، ويبرّر كل انحراف بأنه «مصلحة عامة» وكأن النقاء يُقاس بالعوائد لا بالمبادئ. وهذا النوع من القيادات لا يكتفي بلبس القناع، بل يفرضه على الجميع، حتى يصبح الموظف النزيه غريبًا، يشبه الشخص الذي دخل حفلة تنكرية دون زيّ.
خطر هذه الأقنعة أنها لا تكذب على الناس فقط؛ بل تُعيد تشكيل لغة المكان كله،
فتتحول الأخلاق إلى شعارات تُقال كما تُقال بيانات الطقس بلا حرارة، بلا مسؤولية، بلا معنى. تبدأ الاجتماعات بحديث عن النزاهة، وتنتهي بقرارات تُبنى على الولاءات لا الحقائق.
وتجد القائد الذي يرفع شعار الطهارة هو ذاته الذي يصنع بيئة تسمح لكل شيء بالتسيّب ما دام يصب في صالحه.
يشبه قول كافكا حين كتب: «يحبّون الحقيقة طالما لا تؤذيهم». وهؤلاء يحبون الطهارة طالما لا تكلفهم خسارة، ولا توقف لهم صفقة، ولا تحرجهم أمام مرآتهم.
القسوة الأكبر ليست في زيف الأقنعة، بل في قدرتها على إقناع الآخرين بأنها حقيقية. تجد الموظفين يتسابقون في صناعة صورة «الطاهر» حتى لا يُتّهموا بأنهم خارج اللعبة، فيتحول المكان كله إلى مسرح كبير، تتشابه الشخصيات وتختلف فقط في مستوى مهاراتها التمثيلية. وحين يصل الإنسان إلى هذه المرحلة، يفقد إحساسه بوزن الأشياء؛ يصبح رأي القائد أهم من الحقيقة، ويصبح الانطباع أهم من الفعل، ويصبح الطهر مجرد تكتيك يُستخدم لحماية الذات لا لتزكيتها. قال تولستوي: «ليست الحقيقة فيما نقول بل فيما نفعل»، ولكن المؤسسات الحديثة تعيش بالعكس تمامًا؛ الفعل يُخفى، والقول يُعرض ويُلمّع.
المأساة أن هذا القناع القاسي لا يسقط بضربة واحدة، بل يتآكل من الداخل. كل قرار غير نزيه يترك شرخًا صغيرًا، وكل تبرير يضيف طبقة غبار على النفس، وكل لحظة تعارض فيها الذات حقيقتها تترك ندبة لا يمكن مسحها بأي ابتسامة إدارية. ومع الوقت، يتحول الإنسان إلى نسخة مصنوعة بالكامل: نقاء مُصدّر، وضمير مُعلّب، ورأس ممتلئ بمسوّغات تحاول إقناعه بأنه «يسير وفق المصلحة». ولكن ما فائدة المصلحة إذا فقد الإنسان القدرة على احترام نفسه؟ ما فائدة أن تعيش متخفّيًا حتى عن نفسك؟
الطاهر الحقيقي لا يحتاج أن يعلن طهارته، ولا يطالب الآخرين بتصديقها. أما الطهارة المزوّرة فتحتاج جمهورًا دائمًا لضمان بقائها. تُسَوَّق كما تُسَوَّق المنتجات: صور، عبارات، اجتماعات، شهادات، وكلها مصممة لتغطية ما تحتها. إنها الطهارة «المُدارة»؛ لا الطهارة «المُعاشة». ولبس الأقنعة في العمل أخطر من لبسها في المجتمع، لأن أثرها يمتد إلى حياة الناس ومستقبلهم وفرصهم. وهنا يصبح الخبث أكثر رصانة، لا يُصرخ به بل يُمارس بهدوء، تمامًا كما قال نيتشه: «أخطر الأكاذيب تلك التي نقولها لأنفسنا.»
ما يحزن في المشهد ليس وجود الأقنعة؛ فالبشر عبر التاريخ كانوا بارعين في التخفّي. لكن الجديد هو أن القناع أصبح معيارًا، والتمثيل أصبح متطلبًا وظيفيًا، والطهارة الحقيقية باتت تُعد «سذاجة». لقد تغيّر الميزان حتى صار الصادق غريبًا، والمستقيم مُتهمًا، والناصح مُشككًا في نواياه. هذا الانحراف الجماعي جعل الطهارة الحقيقية تشبه قطعة نقدية قديمة: نادرة، متآكلة الأطراف، لكنها لا تزال تحمل قيمتها لمن يعرف كيف يراها.
……………………………………………………………….
أَعْجَبَنِي مُشَارَكَتَهُ مَعَكُمْ…
بَشَرُ اَلنَّخْلَ بَكْدَادْ جَدِيد ؟























